كرة القدم.. والطفولة التي بداخلنا

منذ ١١ يوم

يقول فرانز كافكا أن العين التي تظل قادرة على رؤية الجمال لا تشيخ أبداً..بمعنى أن الشخص الذي يظل قادراً على الحفاظ على رؤية الأشياء الجميلة وملاحظتها لا يتأثر بتقدم العمر ويصبح بالنسبة له مُجرد رقم!.

وبطبيعة الحال فإن تذوق الجمال ينبع في كل شىء..بدءاً من الطبيعة والنِعم مروراً بالفنون والآداب وانتهاءاً بالرياضة، بل إن كنت أريد أن أكون دقيقاً فعليّ أن أقول أن الرياضة من أولى الأشياء التي يُبصرها المرء ويعرف الجمال من خلالها.

فعندما تعود بذكرياتك عن مرحلة طفولتك لابد وأنك لا تنسى أبداً أول مرة وضعت بها قدمك على كرة قدم..وذهنك يقول لك أنك باستطاعتك تقليد الحركات الفنية والمهارات التي رأيت نجمك المُفضل يفعلها على الشاشة، تحاول مع أقرانك أن تقوم بالتماهي مع بطلك الخاص وأن تصبح نسخة منه.

والأكيد أن كل لاعب كرة قدم مهما وصل إلى قمة مجده ومهما حقق كل شىء..فإن بداخله هذا الطفل الماهر الذي استطاع دوناً عن أقرانه أن يُقلد حركات وأفعال نجمه المُفضل..وأن يُبهر الرجال الراشدين ويُقنعهم بضرورة الإتيان به إلى أكاديمية النادي أو إدخاله لصفوف فريق الناشئين.

ولكن تظل الطفولة عالقة داخل هذا النجم الكبير في ذكرياته، ولا يقلل من تأثير تلك الذكريات إلا الانخراط في مهام لاعب كرة القدم الحديثة والذي عليه أن يلتزم بأوقات التدريب، وبالنظام الغذائي وبأن يسمح للطاقم الطبي والفني بتحذيره أو منعه من أكل هذا النوع من المأكولات وأكل غيره..وما إلى آخره من التعليمات والضوابط التي تسعى للحفاظ على جوهرته الثمينة وهي موهبته من الضياع أو الاحتراق.

ولعلك سمعت آرنولد ظهير ليفربول الشاب وهو يتحدث عن بحثه على الإنترنت على مقاطع أو مباريات كاملة لنجمه وقدوته ستيفين جيرارد ليُقلد طريقته وأساليبه في تسديد الكرات وإتقان العرضيات بأشكالها المتنوعة، فذلك الطفل الذي بداخله مازال موجوداً ويُعلمه دائماً أنه يجب أن يواصل التعلم حتى اليوم الأخير من مسيرته.

من زيدان إلى إبراهيموفيتش
وهذا ينطبق على أعظم النجوم في عالم اللعبة، فالطفل الذي بداخل هذا النجم أو بداخلنا جميعاً يتوق إلى محاكاة الجمال الذي شاهده..وتلك النزعة الطفولية في أن يتحدى نفسه بفعل الشىء الذي شاهده بنفسه أو يتفوق عليه تظل سارية على الدوام.

ويذهب بعض النجوم بعيداً في ذلك مثل زين الدين زيدان أسطورة ريال مدريد ويوفنتوس والذي أطلق على ابنه اسمه “إينزو” لحبه الشديد وإعجابه بنجم أوروجواي إينزو فرانشيسكولي في فترة صباه، وحكي كيف كان يتلصص ويهرب من أعين الحراس لكي يشاهد إينزو فرانشيسكولي وهو يتدرب مع فريق RC Paris في العاصمة الفرنسية، ذلك الطفل المتمرد الآخر وهو زلاتان إبراهيموفيتش والذي يُعرف بحبه الهائل لنفسه وفخره بها علانيةً، لا يستطيع سوى أن يقف إعجاباً بنجم طفولته البرازيلي رونالدو..بعد أن سنحت له الفرصة ليواجهه في ديربي ميلانو حينما كان السويدي لاعباً للإنتر..ووقف مشدوهاً وسرح بأفكاره بعيداً ليتذكر زلاتان الصغير وهو يُعلق أكثر من بوستر لرونالدو في غرفته.

في النهاية ستجد أننا جميعاً كنّا مثلهم، ولكن الفارق أن جسدنا أو المهارات وهبت لنا لم تكن مثلهم ولم يستطع الجسد ترجمة ما كان يريده الذهن..ونفس الأمر ينطبق على اللاعبين الذين يهملون في أنفسهم فيضطرون للاعتزال مبكراً لأنهم لم يرعوا موهبتهم بالشكل العلمي الكافي للحفاظ على عضلاتهم وفورمتهم بالشكل المثالي..واكتفوا برؤية أقرانهم يلعبون حتى نهاية الثلاثينات بينما اضطروا هم للرحيل في سن مبكرة..وبداخلهم طفل لم يبح بعد بكل ما لديه من رغبات.

حب رياضة كرة القدم

ذات صلة